محمد كرد علي
244
خطط الشام
وقد راعى الحكمة فيما خلق وأمر تفضلا منه ورحمة ولا باعث له على الفضل . بعثة الأنبياء ممكنة عقلا وواقعة قطعا ، وفي وقوعها حكمة بالغة ورحمة للعالم شاملة ، واحتياج الناس إلى الأنبياء كاحتياجهم إلى الأطباء ، النبوة إنما تحصل بمجرد اصطفاء إلهي لا باستحقاق من المبعوث واجتماع شروط فيه ، بل اللّه يختص برحمته من يشاء وهو تعالى أعلم حيث يجعل رسالته ، وقد أرسل اللّه تعالى رسلا من البشر إلى البشر مبشرين ومنذرين ، لئلا يكون للناس على اللّه حجة ، وأيدهم بالمعجزات الخارقة للعادات المقرونة بالتحدي ، وكلهم جاءوا بتوحيد اللّه تعالى والنهي عن الشرك وإخلاص العبادة له تعالى ، وهم صادقون فيما جاءوا به مصونون عن التحريف والتبديل ، معصومون من كل نقص حسي أو معنوي « 1 » مبلغون أممهم جميع ما أمروا بتبليغه ، وأولهم آدم وآخرهم نبينا محمد صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين . إن اللّه سبحانه أرسل نبينا محمدا صلى اللّه عليه وسلم إلى الخلق كافة بشيرا ونذيرا ، وجعله خاتم النبيين فلا نبي بعده وأيده بالمعجزات الباهرة ، والبراهين الظاهرة ، وأنزل عليه القرآن الكريم الذي هو له معجزة باقية إلى يوم الدين ، فنسخ بشريعته الشرائع التي كانت قبله إلا ما قرر منها ، وفضله على سائر الأنبياء ، وجعل الشهادة له بالرسالة شطر الإيمان ، وألزم الناس تصديقه في جميع ما أخبر به عنه ، وأمره بتبليغ ما أنزل عليه فقال تعالى : « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ » فبلغ صلوات اللّه وسلامه عليه الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة حتى أتاه اليقين . إن للّه تعالى ملائكة هم عباد اللّه المكرمون ورسل اللّه بينه وبين أنبيائه وأمناؤه على وحيه لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، لا يوصفون بذكورة وأنوثة ، ولا يأكلون ولا يشربون ، ولا يعلم حقيقتهم ولا عددهم إلا خالقهم اللّه ؟ ؟ ؟ وهم أجسام لطيفة نورانية يروننا ولا نراهم بصورهم الأصلية . ( الركن الرابع في السمعيات ) إن لهذه الدنيا أجلا محدودا فإذا جاء أجلها يتبدل نظام هذا الكون ، فتبدل الأرض غير الأرض والسماوات غير السماوات ،
--> ( 1 ) النقص الحسي يكون في الذات كالجذام والبرص والعمى والجنون ، والمعنوي يكون في الصفات كدناءة الحرفة ودناءة النسب وكالمعاصي الكبائر والصغائر .